الاشتراك اللغوي عند الأصوليين- الفهرس

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والصلاة على سيدنا محمد وآل محمد

تمهيد

قد تتباين العلاقتان الوضعيتان لفظاً ومعنى كما في العلم والحجر.

وقد تشتركان تارة في اللفظ، فيعبر عنه بالاشتراك اللفظي كما في (العين) الموضوعة للباكية والجارية مثلاً.

وأخرى بالمعنى، فيعبّر عنه بالترادف، كما في: جاء وأتى.

وقد سيق البحث هنا للكلام في الاشتراك.

صميم البحث

يقع الكلام في الاشتراك على عدة جهات:

الاولى: في تعريفه.

الثانية: في ضرورته اللغوية.

الثالثة: في استحالته.

الرابعة: في إمكانه مطلقاً أو على تقدير ما.

الخامسة: في منشئه.

السادسة: في وقوعه في اللغة عموماً وفي القرآن الكريم خصوصاً.

حقيقة الاشتراك اللغوي- الفهرس

أما الجهة الأولى: فقد عرف الاشتراك اللفظي بأنه عبارة عن اشتراك أكثر من معنى في لفظ واحد وضعاً مع عدم هجر المعنى الأول (وإلاّ سُمّي نقلاً) ولذا يكون عند إطلاقه مجملاً يحتاج تعيين أحد معانيه إلى القرينة.

وأما الجهة الثانية: فقبل شروع الكلام فيها لابدّ من التنبيه على أنّ المراد من الوجوب وكذا الاستحالة ليس الذاتي منهما، بداهة أن ملاحظة الاشتراك لا تقتضي ضرورة الوجود. حتى يكون واجب الوجود وليس تصور مفهومه مقتضياً، ضرورة العدم. بل المراد أنه هل يلزم من فرض وقوعه محال حتى يكون ممتنعاً أم يلزم المحال من فرض عدمه، فيكون واجباً أم لا يلزم شيء منهما، فيكون ممكناً بالامكان الوقوعي، المقابل للامتناع الوقوعي ـ ووقوعه دليل على امكانه بهذا المعنى ـ لا الامكان الذاتي حتى يقال أن الوقوع أعم منه ومن الواجب ـ كما حرر في محله ـ فيكون الوقوع دليلاً على الامكان الوقوعي قبال الامتناع الوقوعي.

دعوى ضرورة الاشتراك- الفهرس

وقد ادعي وجوبه ببرهان كثرة المعاني وعدم تناهيها مع محدودية الألفاظ وتناهيها، لتركّبها من حروف التهجي المتناهية والمركب من المتناهي متناهي.

وبما أن التعبير عن تلك المعاني بالألفاظ حاجة ضرورية، حيث أن ابراز المقاصد لا يمكن في جميع الموارد إلاّ باللفظ وأما غيره كالاشارة أو نحوها، فهو لا يفي بذلك في المحسوسات فضلاً عن المعقولات.

فيستدعي ذلك لزوم الاشتراك ووضع لفظ لمعان متعددة ولو ألف معنى، لئلا يبقى معنى بلا لفظ دال عليه، وإلاّ فلو فرض اختصاص كل لفظ بمعنى واحد، لزم تطابق المتناهي مع اللامتناهي، وهو محال.

وهذا النمط من الاستدلال على لزوم الاشتراك في اللغة نظير استدلال العامة على لزوم القياس في أصول الفقه بدعوى أن الفروع غير متناهية والكتاب والسنة متناهيان غير وافيين بتلك الفروع، فلابد من حجية القياس لوفائه بها.

وقد أجيب عليه في محله هناك.

والتحقيق ـ هنا ـ أنه إذا أريد بضرورة الاشتراك، ما يعمّ الاشتراك الناتج من الوضع العام والموضوع له الخاص في المقام، نظراً إلى أنه يؤدي إلى كون اللفظ الواحد مشتركاً بين معنيين أو معان، ولو بوضع واحد، فالصحيح هو أنّ الاشتراك بهذا المعنى ضروري، إذ بدونه لابد أن نفترض لكل ربط ونسبة لفظاً دالاً عليه. ولما كان كل ربط مغايراً ذاتاً وماهية لأي ربط آخر ولا جامع بين الربطين، ولو كان طرفا الربطين فردين من جامع واحد ـ على ما حقق في المعاني الحرفية ـ فهناك اذن انحاء من الربط غير متناهية لعدم تناهي الافراد والجزئيات، ولا يتوفر من الألفاظ ما يوازيها عدداً ليكون لكل معنى لفظ يختصّ به.

وان اريد بضرورة الاشتراك، ضرورة تعدد وضع لفظ واحد لمعنيين أو أكثر من أجل عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ ـ كما هو المقصود بالاشتراك عند اطلاقه عادة ـ فأورد عليه:

أولاً: أن جعل لفظ يدل على كل معنى من المعاني الاسمية أو الحرفية لا ينحصر طريقه بالاشتراك بهذا المعنى المساوق لتعدد الوضع بعدد الدلالات الوضعية.

بل يمكن أن يحصل عن طريق الوضع العام والموضوع له الخاص. فالاشتراك بالمعنى المساوق لتعدد الوضع غير ضروري. ولو سلمنا عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ.

وثانياً: أن الحاجة إلى الاستعمال في حياة الانسان لا يمكن أن تتعلّق إلاّ بمقدار محدد من تلك المعاني غير المتناهية، لأنّها فرع تصور الانسان للمعنى لوضوح أن ما لا يتصور فعلاً لا يحتاج إلى استعمال اللفظ فيه.

فالأوضاع إذن لا يمكن أن تزيد عن المجموع الكلي للمعاني التي تصورها الانسان في حياته. وحيث أنّ هذا المجموع محدود ومتناه فلا يتطلّب إلاّ أوضاعاً متناهية وبالتالي ألفاظاً متناهية.

ولا فرق في ذلك بين أن يقال: أن الوضع هو نفس المستعمل أو هو الله سبحانه وتعالى.

فان الذي يدعو إلى الوضع دائماً هو حاجة المستعمل والحاجة إلى الاستعمال في معنى فرع تصوره.

ولما كان التصور محدوداً كان الوضع محدوداً، لا محالة.

وثالثاً: ان الاشتراك إذا كان قد وقع ضرورة بسبب زيادة المعاني على الألفاظ لكان من الطبيعي أن لا نجد لفظاً مهملاً، مع أن الألفاظ المهملة في اللغة كثيرة، وقد لا تقل عن عدد الألفاظ المشتركة.

وهذا يعني أن الاشتراك لم يحصل نتيجة استيفاء الألفاظ وزيادة المعاني عليها لعدم تناهيها، فمثلاً: جلّ الكلمات اللغوية في سائر اللغات تعتبر مهملة في اللغة العربية. فكيف يصح أن نفسر الاشتراك فيها على أساس الضرورة المذكورة؟!

ورابعاً: أن تفهيم المعنى الكلي لا يتوقف دائماً على أن يوضع له لفظ خاص لكي يدل عليه بالخصوص، بل قد يحصل تفهيمه على نحو تعدد الدال والمدلول أو ينحو الطريقة الاشارية ولو بالتعريف ـ كما في تفهيم الجزئيات ـ.

فاذا أردت أن تفهم معنى (البغل). فقد لا تستعمل كلمة (البغل) بل تقول: الكائن المتولّد من حصان وحمار، وبذلك تحصل نتيجة الوضع بدون الالتزام بأوضاع متعددة بعدد المعاني ليتوهم ضرورة الاشتراك.

بل قد يحصل تفهيم جملة من المعاني بلا استعانة بدلالة وضعية أصلاً.

كما في موارد الاطلاق الايجادي والاحضار الحسي للمعنى.

كما في قولك زيد اسم ـ على ما يأتي من أن الاطلاق الايجادي لا يتوقف على الوضع أصلاً ـ[19].

وخامساً: ما أجاب به المحقق الكفائي(قدس سره) من عدم معقولية وضع الألفاظ ـ ولو بنحو الاشتراك ـ بازاء المعاني اللامتناهية، لاستلزامه أوضاعاً غير متناهية، وصدوره من الواضع المتناهي محال[20].

وأما لو قيل: بأن الواضع الأول هو الله تعالى فلا دليل على وضعه مباشرة بل أجراه على لسان الانسان الذي علّمه البيان وألهمه الوضع وفتق لسانه به، فممارسة الوضع وظيفة الواضع البشري المحدود، فيتحدد بمحدوديته كما شرحناه في أول بحث الوضع والواضع، فراجع.

وأجاب السيد الاستاذ المحقق ـ دام ظله ـ عن هذا الوجه الخامس: بأن الوضع للمعاني اللامتناهية بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص لا يستوجب الوضع اللامتناهي[21] لكنه أجنبي حينئذ عن فرض الاشتراك.

نعم، يصلح ما أفاده جواباً على أصل دليل وجوب الاشتراك.

وهو ما تقدم في الوجه الأول فتنبه جداً.

مناقشة الكفاية- الفهرس

وسادساً: ما أفاده المحقق الكفائي(قدس سره) أيضاً من محدودية استعمالات الانسان اللغوية بمحدوديته ومحدودية حاجاته.

فلا حاجة للألفاظ أو الأوضاع اللامتناهية. حتى لو كان الواضع هو الله تعالى القادر على الأوضاع اللامتناهية.

ولكن تأباه حكمته، وإن وسعته قدرته.

وأما لو كان الواضع الانسان الحكيم، فتضيق عنه قدرته، كما تأباه حكمته.

وعليه، فلا محذور في بقاء بعض المعاني بلا ألفاظ تدل عليها ـ إذا لم تدع الحاجة إليها ـ كما لا حاجة لتطبيق الألفاظ على جميع المعاني، حتى يلزم محذورعدم تطابق المتناهي مع اللامتناهي بعد عدم الداعي للتطبيق المذكور.

ولوحظ على هذا الوجه أن المراد من عدم التناهي في المقام، عدم التناهي العرفي، وإلاّ فالعوالم بأجمعها متناهية.

وعليه فان امتنعت الاستعمالات غير المتناهية بالنسبة إلى شخص واحد، الاّ انها غير ممتنعة بالنسبة على جميع أفراد البشر[22].

وسابعاً: ما في الكفاية من أنّ المعاني الكلّية متناهية، فلا تزيد على عدد الألفاظ. والوضع إنما يكون للمعاني الكلية.

ولكن يلاحظ عليه:

1 ـ أن التفهيم حينئذ بألفاظ المعاني الكلية المتناهية في جميع الموارد لا يخلو عن اشكال، بل هو متعذر في جلها، إن لم يكن في كلها، فتصور جيّداً.

2 ـ أنه إن أراد بكليات المعاني، المفاهيم العامة أو الكليات المطلقة كمفهوم الشيء، والممكن والأمر أو الجواهر والأعراض أو الطبائع الكلية فما أفاده(قدس سره) وإن كان صحيحاً، فانّها منحصرة ومتناهية، إلاّ أن جميع الألفاظ توضع بازائها يقيناً على نحو الوضع العام والموضوع له الخاص أو الوضع العام والموضوع له العام ضرورة أنه لا يمكن تفهيم جميع المعاني والاغراض التي تتعلق الحاجة بابرازها بواسطة الألفاظ الموضوع بازائها، لو لم تكن لأنفسها أسامي خاصة يقع التفهيم والتفهّم بها في مقام الحاجة.

بل أن ذلك مستحيل عادة، كما لا يخفى.

وان أراد(قدس سره) بها المراتب النازلة منها أو الكليات الاضافية كالانسان والحيوان والشجر والحجر وما شاكل ذلك، فيردّه أنها غير متناهية باعتبار أجزائها من الجنس والفصل وعوارضها من اللازمة والمفارقة المتصورة لها.

وهكذا تذهب إلى غير النهاية، بل يكفي لعدم تناهي هذه المعاني نفس مراتب الأعداد.

فانك عرفت أن مراتبها تبلغ إلى حد لا نهاية له، وكل مرتبة منها معنى كلي، لها أفراد حصص في الخارج والواقع.

ـ مثلاً ـ العشرة مرتبة منها، والحادي عشر مرتبة أخرى، والثاني عشر مرتبة ثالثة... وهكذا، ولكل واحدة منها في الخارج، أفراد تنطبق عليها انطباق الطبيعي على افراده، والكلي على مصاديقه.

كما يمكن أن يقال: أنا لو أدخلنا في الحساب المعاني الاعتبارية، فلا برهان على تناهي المعاني الكلية، بل البرهان على الخلاف، فان المعاني منها ما يكون بسيطاً كمفهوم الوجود والعدم.

ومنها ما يكون مركباً حقيقياً، كمفهوم الانسان.

ومنها ما يكون مركباً اعتبارياً، كمفهوم الدار والمدينة، فلو فرض تناهي القسمين الأولين، فالقسم الثالث لا تناهي له، لكونه منتزعاً من ملاحظة مجموع أمرين أو أكثر بعد الباسهما ثوب الوحدة الاعتبارية.

وهذا الانتزاع أمر غير قابل للتناهي. إذ أي مفهوم اعتباري يفترض يمكن أن ينتزع منه ومن مفهوم آخر عنوان اعبتاري آخر، وهكذا، مضافاً على كفاية الالتزام بعدم تناهي مجموع المعاني الكلية والجزئية لاثبات مدعى القائل بضرورة الاشتراك ولو بلحاظ المعاني الجزئية التي لا اشكال أيضاً في تعلق الاغراض الاستعمالية بها كثيراً، ما لم نرجع إلى جواب آخر عن الشبهة.

فما أفاده(قدس سره) من تناهي المعاني الكلية، غير صحيح.

مناقشة المحاضرات- الفهرس

وثامناً: ما في المحاضرات من عدم تناهي الألفاظ، بل يمكن لنا تصوير هيئات وتراكيب متعددة منها باعتبار كونها مؤتلفة من الحروف الهجائية بعضها من بعض إلى عدد غير متناه.

فاللفظ الواحد، يختلف باختلاف حركاته، كما لو ضم أوله أو فتح أو كسر، فهو في كل حال مغاير له في حالة أخرى، وكذا لو ضمّ آخره أو فتح أو كسر، وكذا لو جرت هذه الحركات على حروفه الوسطية أو سكنت.

وإذا أضيف إليه في جميع هذه الأحوال حرفاً من الحروف الهجائية صار لفظاً ومركباً ثانياً غير الأول... وهكذا.

فتصبح الألفاظ بهذه النسبة، غير متناهية.

ـ مثلاً ـ لفظ (بر) إذا ضم أوله أو فتح أو كسر فهو غير الأول، ولو أضيف إليه الاختلاف بالتقديم أو التأخير أو حرفاً من الحروف، صار لفظاً آخر... وهكذا.

وإن شئت فقل: أن مواد الألفاظ وإن كانت مضبوطة ومحدودة من الواحد إلى الثمانية أو التسعة والعشرين حرفاً، إلا أن الألفاظ المؤتلفة منها والهيئات الحاصلة من ضمّ بعضها إلى بعضها الآخر تبلغ إلى غير النهاية، فان اختلاف الألفاظ وتعددها بالهيئات والتقديم والتأخير والزيادة والنقصان والحركات والسكنات يوجب تعددها واختلافها إلى مقدار غير متناه.

وهذا، نظير الاعداد، فان موادها وإن كانت آحاداً معينة من الواحد إلى العشرة، إلا أن تركّبها منها يوجب تعدّدها إلى عدد غير متناه.

مع أنه لم يزد على كل مرتبة من مراتبها إلا عدد واحد.

وتفاوت كل مرتبة من مرتبة أخرى بذلك الواحد.

فاذا أضيف إليها ذلك صارت مرتبة اخرى... وهكذا تذهب المراتب إلى غير النهاية.

فالنتيجة: أن الألفاظ غير متناهية، كالمعاني والأعداد.

اشكال السيد الاستاذ الشهيد(قدس سره)- الفهرس

وإن أشكل عليه الاستاذ الشهيد(قدس سره) بأن الألفاظ، مهما كان لها من الصور، فانها تظل دائماً أقل من المعاني، ببرهان: أن أي تركيب لفظي كما يحقق لفظاً جديداً، كذلك يخلق معنى جديداً قد يراد التعبير عنه نفسه كما هو واضح.

لكن يلاحظ عليه، أنه لا يصلح جواباً حاسماً لعدم تناهي الألفاظ، فانّا لا نتعقّل أن يكون مفهوم اللاتناهي مفهوماً تشكيكيّاً ذا مراتب أشد وأضعف، أو دائرة أوسع وأضيق.

ولو سلّم ذلك، فان صرف عدم تناهي الألفاظ كاف في مقابلة عدم تناهي المعاني فيما نحن فيه، فتأمل.

وتاسعاً: أن الضرورة المذكورة إنما تلزم لو وضعت الألفاظ لجميع المعاني واستعملت فيها على نحو الحقيقة، وأما لو وضعت لبعضها واستعملت في الباقي مجازاً، فلا محذور.

فان باب المجاز واسع، وإن أنهى بعضهم، العلائق المجازية إلى خمسة وعشرين أو ثلاثين علاقة.

ولكن الانصاف ـ بعد التحقيق من دورانها مدار الطبع لا الوضع ـ عدم انحصارها بعدد معين، فلا مانع من أن يكون لمعنى واحد حقيقي، معان مجازية متعددة.

ولوحظ عليه: بأن المعاني الحقيقية إن لم تكن متناهية جرى برهان الاشتراك لزيادتها حينئذ على الألفاظ، وإن كانت متناهية، فمع فرض كون المجموع منها ومن المعاني المجازية غير متناهية، يتعين كون المجازية غير متناهية. الأمر الذي يستلزم علاقات لا متناهية بينها وبين المعاني الحقيقية، وكل علاقة تمثل حيثية في المعنى الحقيقي.

وهذا يعني ـ بالتالي ـ اشتمال المعاني الحقيقية على حيثيات لا متناهية. وكل منها بحاجة إلى لفظ دال عليه، فيعود المحذور جذعاً.

وكيف كان، فقد ظهر ـ ولو من بعض الوجوه المتقدمة ـ عدم الدليل على ضرورة الاشتراك أو وجوبه في اللغة.

دعوى استحالة الاشتراك ومناقشتها- الفهرس

الجهة الثالثة: في استحالة الاشتراك.

وقد استدل عليها بالوجوه التالية:

الوجه الأول: منافاته لحكمة الوضع. وهي التفهيم والتفهم.

إذ الاشتراك موجب لعدم حصول تفهيم المعنى الأول ـ ولا الثاني اللذين هما الموضوع لهما، علماً بأن الغرض من الوضع ليس هو عدم تفهيم المعنى، لأنه محقّق قبله ولا مورد آخر، كايقاظ النائم لعدم ترتبها على الوضع.

بل الغرض منه هو تفهيم المعنى.

والاشتراك يوجب عدم ترتبه.

وأجاب عن ذلك المحقق الكفائي(قدس سره) بجوابين:

أحدهما: إمكان الاتكال في تفهيم المعنى على القرائن الواضحة.

وما ذكره(قدس سره) يبدو جواباً عمّا أدرجه هو(قدس سره) في الاستدلال.

وهو أن تفهيم المعنى بواسطة القرائن غير صحيح، فانه كثيراً ما تختفي القرائن.

فأجاب: بالاتكال على خصوص القرائن الواضحة.

والأحرى في الجواب عنه أن يقال: أن الانتقال في الجملة بمعنى الصرف عن بقية المعاني ثابت مع الاشتراك وهو كاف في عقلائية الوضع، وإن كان بنحو الموجبة الجزئية. فهو ليس منافياً لحكمة الوضع رأساً، لأن الوضع إنما يكون مقتضياً للانتقال إلى اللمعنى لا علة تامة له.

ولذا عند نصب القرينة لا ينتقل إليه، فكما أن القرينة تمنع من ذلك، كذلك الوضع الثاني.

فلو علمنا من الخارج أو من قرينة أنه لم يرد أحد المعنيين، لا محالة ينتقل إلى الآخر، وبهذا يمتاز عن الحقيقة والمجاز.

فان عدم ارادة الحقيقة لا يكفي في الانتقال إلى المعنى المجازيى، فيتوقف الانتقال إليه على ما يدل على ارادته.

وهذا بخلاف المشترك.

وهذا هو المراد مما اشتهر من أن ارادة أحد المعنيين في المشترك تتوقف على القرينة الصارفة.

وأما المجاز فارادته، تتوقف على القرينة المعنية.

وثانيهما: أنه قد يتعلّق الغرض بالاجمال.

وأورد عليه: بأن الاجمال وعدم التفهيم، ليسا غرضاً للوضع.

ولكن الانصاف أن الغرض العقلائي قد يتعلق بالاجمال والاهمال بل الاجمال ضرب من التفهيم أحياناً، وبيان أن المقصود، أحد معاني المشترك لا غيرها وإن لم يتعين المقصود بالتحديد لينقدح في الذهن معنى لا يساعد المقام على تشخيصه.

كما قد يكون الابهام لغرض الايهام بأمر لا يحسن تعيينه، وما شاكل ذلك من موارد يقتضيها الأدب والحياء أحياناً والخوف والرجاء أخرى والبلاغة والظرف ثالثة، وهكذا.

وبالجملة، فلا ريب في عقلائية الاجمال والاهمال أحياناً.

وإن التعبير باللفظ قد يكون الافهام تارة والابهام أخرى.

وليس الافهام مقابلاً للابهام دائماً.

إذ لا ملازمة بين الابهام وعدم الافهام كما قد يتوهم، بل قد يقتضي الحال، التفهيم بالاجمال.

وهل البلاغة إلاّ مطابقة الكلام لمقتضى الحال؟!

ثم لا ريب في أن غرض الواضع هو الافهام بحسب المقام، فبالتفصيل تارة وبالاجمال أخرى.

نعم، قد لا يلتفت إلى غرض الاجمال تفصيلاً ولكنه مرتكز في النفس مجملاً.

وأما المستعمل، فواضح أنه قد يقصد الاجمال في كلامه لما بيّناه آنفاً، فتدبر جيداً.

ثالثها: أن هذا الوجه مبني على كون الواضع واحداً. وأما مع تعدده ـ كما هو الأصح ـ فالشبهة أوضح اندفاعاً.

الوجه الثاني: أن لازم الاشتراك، الانتقال إلى معنيين في آن واحد وهو غير ممكن.

وفيه: أن المراد بالانتقال، إن كان هو الانتقال التصوري، فهو مما لا محذور فيه، لأن اجتماع شيئين في آن واحد في النفس التي هي من المجردات لا مانع عنه، بل هو واقع كثيراً، ولذا يحكم على الوجود والعدم بأنهما نقيضان.

ولو لا أنهما يتصوران في آن واحد، لما صح الحمل، للزوم تصور الموضوع حين الحمل.

ومنه يظهر أن ذلك جار في جميع القضايا، فان صحة الحمل تتوقف على تصور الموضوع والمحمول في آن واحد.

وإن أريد الانتقال التصديقي، بمعنى أنه يحكم بأن المتكلّم أرادهما معاً، فان بنينا على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ـ كما هو الحق ـ وستعرفه فلا محذور فيه، وإلاّ فلازمه، الاجمال كما هو واضح.

الوجه الثالث: أن الوضع عبارة عن جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى، بحيث ينتقل الذهن إلى المعنى من سماع اللفظ، وعليه فان كان الوضع الثاني متمّماً للوضع الأول، بأن يحصل عند سماع اللفظ، الانتقال إلى مجموع المعنيين فهو خلاف المفروض في الاشتراك، وكذا إن كان موجباً للانتقال إلى أحد المعنيين أو المعاني بلا تعيين، بأن يكون الموضوع له هو الجامع الاعتباري، فهو خلاف المفروض أيضاً، وإن كان يوجب الانتقال إلى كل من المعنيين أو المعاني بخصوصه، بانتقال مستقل، فهذا لا يمكن من غير ترتب، فلا محالة يكون أحد الانتقالين في طول الآخر.

وفيه: أن الوضع ليس عبارة عن جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى، لأن الملازمة بين سماع اللفظ والانتقال إلى المعنى تحصل بسبب العلم بالوضع، فلابد أن يكون الوضع غير الملازمة الحاصلة من العلم به.

وثانياً: مع الغض عن ذلك، فلا ينحصر الأمر فيما ذكره من الشقوق، فانه يمكن أن يكون جعل الملازمة في موارد ذكر القرينة المعينة لأحد المعاني.

فمثلاً إذا لم يكن لفظ القرء موضوعاً للحيض لم ينتقل الذهن إليه من سماع لفظ القرء ولو مع ذكر (ثلاثة أيام)، بخلاف ما إذا كان ذكرها بعد وضعه له، فيحصل الانتقال بها، وهذا المقدار يكفي في حصول الغرض من الوضع وخروجه عن اللغوية، كما هو ظاهر.

وما ذكره من عدم امكان تعدد الانتقال المستقل من لفظ واحد يأتي ما فيه في البحث القادم من استعمال اللفظ في أكثر من معنى ـ باذنه تعالى ـ.

الوجه الرابع: وهو يختص بما قيل من أن حقيقة الوضعت هو التعهد، بذكر اللفظ عند ارادة المعنى.

وحاصله أن التعهد الثاني ينافي التعهد الأول ومناقض له ولا يمكن بقائه معه.

ألا ترى انه لو تعهد زيد بأنه لو لبس الثوب الأبيض فهو مريد للكوفة.

ثم تعهد ثانياً: بأنه لو لبسه فهو مريد المشي إلى مكة، يكون التعهد الثاني منافياً للأول.

وفيه: ـ بعد بطلان التعهد ـ أولاً: سيأتي أنه يجوز استعمال اللفظ في أكثر من معنى في الجملة.

وعليه، فلازم هذين التعهدين أنه عند ذكر اللفظ مريد لتفهيم معنيين.

ولازم ذلك أنه عند عدم نصب القرينة يحمل على ارادتهما معاً.

وثانياً: أن الواضع إنما يتعهّد بذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى، لا أنه يتعهد بارادة المعنى عند ذكر اللفظ.

والفرق بين التعهدين واضح لا يخفى، اللهم إلاّ أن يكون تعلّق التعهد، قضية شرطية انحصارية كما تنبّاه الأستاذ الأكبر(قدس سره) حيث قال: بأن معنى التعهد عبارة عن تعهد الواضع في نفسه بأنه متى ما تكلم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلاّ تفهيم معنى خاص.

ومن المعلوم أنه لا يجتمع مع تعهده ثانياً بأنه متى ما تكلم بذلك اللفظ الخاص لا يقصد إلا تفهيم معنى آخر، يباين الأول. ضرورة أن معنى ذلك ليس إلا النقض، لما تعهده أولاً.

أو فقل: إن الوضع على هذا عبارة عن ذلك التعهد المجرد عن الاتيان بأيّة قرينة. وعليه، فلا يمكن للواضع أن يجمع بين تعهدين كذلك أو أزيد في لفظ واحد، فان الثاني مناقض للأول ولا يجتمع معه إلاّ أن يرفع يده عن الأول.

ويلتزم ثانياً بأنه متى ما تكلّم بذلك اللفظ الخاص يقصد منه تفهيم أحد المعنيين الخاصين.

فالذي يمكن من الاشتراك، هو هذا المعنى أعني به رفع اليد عن الالتزام الأول ثم الالتزام من جديد بأنه متى ما تكلّم بذلك اللفظ فهو يريد منه تفهيم أحد المعنيين على نحو الوضع العام والموضوع له الخاص.

نعم، في مقام الاستعمال لابدّ من نصب قرينة على ارادة تفهيم أحدهما بالخصوص.

فان اللفظ غير دال على ارادة أحدهما لا بعينه.

وهذا المعنى ـ نتيجة ـ كالاشتراك اللفظي من ناحية تعدد الموضوع له وكون استعمال اللفظ في كل واحد من المعنيين، أو المعاني استعمالاً حقيقياً محتاجاً إلى نصب قرينة معينة.

نعم، الفرق بينهما من ناحية الوضع فقط، فانه متعدد في الاشتراك بالمعنى المشهور والمتنازع فيه، وواحد في الاشتراك على مسلك التعهد[23].

كما يمكن للمتعهد بين تعدد التعهد والوضع للاشتراك اللفظي حينئذ وذلك بتقييد كل من التعهدين بعدم قصد المعنى المأخوذ في التعهد الآخر أو غير ذلك من أنحاء التقييد المفضي للاشتراك.

امكان الاشتراك- الفهرس

الجهة الرابعة: ظهر مما تقدم من عدم وجوب واستحالة الاشتراك في اللغة تعيُّن إمكانه مبدئياً أولاً ومطلقاً ثانياً.

أي: على جميع المسالك المختلفة في الوضع دون استثناء مسلك التعهد منها.

كما تقدم وجهه واندفاعه.

وأما على المسالك الأخرى في الوضع فلا مرية في امكان وقوع الاشتراك في اللغة سواءاً في ذلك، مسلك الاعتبار أو المسلك المختار أو غيرهما.

فان الاعتبار والجعل والتنزيل والقرن الأكيد خفيفة المؤونة ولا ضير في تعددها في اللفظ الواحد أصلاً.

هذا وقد قال المحقق الكفائي(قدس سره):

«الحق وقوع الاشتراك للنقل والتبادر وعدم صحة السلب بالنسبة إلى معنيين أو أكثر للفظ واحد».

والمراد بالأول نقل اللغويين لبعض الألفاظ المشتركة كالعين الموضوعة للباكية والجارية وغيرهما بل المتضادة كالجون الموضوع للأسود والأبيض والمراد بـ(النقل) هنا هو النقل المفيد للاطمئنان أو الوثوق بالصدق.

وإلا، فلا دليل على حجية نقل اللغوي ـ بما هو لغوي ـ بالنسبة إلى ثبوت الوضع، كما قرّر في محله.

وأما التبادر، فهو انسباق الأكثر من معنى عند اطلاق اللفظ المشترك ولو بدرجات متفاوتة في الشدة والضعف، تبعاً لعوامل عديدة.

منها: أسبقية الوضع أو أهمية الموضوع له، الأسرع أو الأقوى انسباقاً أو أكثرية الاستعمال في معنى من غيره. وشبه ذلك، وفي الجملة فانه عند اطلاق مثل لفظ الـ(قرء) يعلم أن المراد أحد معنييه الحيض أو الطهر وذلك علامة كونه حقيقية في كل منهما.

مناشئ الاشتراك- الفهرس

الجهة الخامسة: في منشأ الاشتراك.

يمكن أن تكون للاشتراك عدة مناشئ، منها:

أولاً: نشوؤه أصالة وبالذات في بداية الأمر على صعيد لغوي واحد وعلى يد واضع فارد تعيينياً كان أم تعينياً.

فكما يتصور الاشتراك في الأعلام الشخصية في بيئة واحدة وعائلة محدّدة، كذلك لا مانع من افتراضه على هذا النحو في أسماء الاجناس ونحوها.

ولأي داع عقلائي كان من قبيل شدة التعلق بلفظ خاص لسبب ولآخر، كتعلق الامام الحسين بن علي(عليهما السلام) باسم أبيه أميرالمؤمنين علي(عليه السلام)حتى سمّى كلاًّ من أولاده الثلاثة بـ(علي) وميّزهم بالأكبر والأوسط والأصغر سلام الله عليهم أجمعين ـ كما يمكن التمييز بغير ذلك من القرائن المقامية أو المقالية أو الحالية ـ بل نقل عنه(عليه السلام) قوله:

«لو ولد لي عشرة بنين لسميت كلاً منهم علياً».

وثانياً: غلبة استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي حتى غلب المعنى الآخر ـ بكثرة الاستعمال ـ على المعنى الحقيقي (ما لم يهجر المعنى الأول وإلا صار نقلاً وهو خلف الفرض) فيندر استعماله في المعنى الحقيقي وهكذا يوضع اللفظ للمعنى الآخر ولو تعيّنياً بالتدريج وينسى أو يندثر كونه غير موضوع له أساساً، بل يتلقّى في الأجيال اللاحقة لأهل اللغة على أنه معنى موضوع له اللفظ.

وقد تبنى ذلك المتخصص اللغوي (فندريس) في كتابه[24].

ومثل بعضهم لذلك بلفظ (الغائط) الموضوع أساساً للمكان المنخفض الذي يقضي فيه الانسان حاجته عند التخلي. ثم كنّى به عن عذرة الانسان، حتى صار حقيقة فيها.

وربما نوقش في هذا المثال ولكن لا مشاحة في الأمثال فان العمدة معقولية، ووجاهة أصل المطلب من حيث المبدأ وصلاحيته لنشوء الاشتراك. نعم، عزى بعضهم تطور المجاز بسبب الوضع التعيني إلى حقيقة إلى أسباب منها تطور الدلالة بتطور المدلول كما في كلمة (الريشة) الموضوعة لريشة الطائر.

ولمّا استعيض عنها في الكتابة بآلة معدنية على غرارها، ظل يطلق عليها اسم (الريشة)[25].

وربما يجعل من ذلك كثير من الكلمات الموظفة أخيراً من قبل المجامع اللغوية لبعض المخترعات المستحدثة كالهاتف والمذياع والشمعة (الحديثة) والقطار والطائرة والسيارة وما إلى ذلك.

لكن الانصاف أن مثل ذلك ليس وضعاً واقعاً بل هو (عملية توليد) اصطلاحاً يختار فيها أقرب الألفاظ للمعنى المستحدث، فيطلق حينئذ على اللفظ اسم (المولد) ـ بفتح اللام ـ من باب الاستعارة وشبهها مع بقاء اللفظ محتفظاً باختصاصه وضعاً بالمعنى الأصلي الموضوع له.

ثالثاً: نشوء الاشتراك من كونه ظاهرة طبيعية في اللغة.

وهذا أمر بالامكان تفسيره وقبوله إلى حد ما.

لأنّ كل لغة لا تمثل مجتمعاً واحداً بل مجتمعات صغيرة بعدد الوحدات البدائية التي تنتمي إليها من قبائل ومجاميع والحاجات اللغوية، في كل واحد منها تتجدّد وتزداد باستمرار، وتتخذ كل مجموعة طريقةً خاصة في اشباع تلك الحاجات.

ولما كانت مقررات اللغة المشتركة بين تلك القبائل محدودة نسبياً وكانت الصلة اللغوية الكاملة مفقودة بين كل مجموعة والأخرى، كان من الطبيعي بحساب الاحتمالات أن يقع اختيار هذه المجموعة على لفظ معين للدلالة على معنى ويقع اختيار المجموعة الاخرى على نفس اللفظ للدلالة على معنى آخر.

وعندما انصهرت هذه المجاميع في لغة واحدة واندمجت حياة بعضهم ببعض ظهر الاشتراك بسبب ذلك في مثل كلمة (وثب) التي ليس لها غير معنى (قفز) في العربية الشمالية وغير معنى (جلس) في العربية الجنوبية.

فلما جمع العلماء كلمات اللغة لم يفرقوا بين لغات القبائل، فتوهم ان لكلمة (وثب) معنيين متضادين[26].

وهذا التفسير معقول جداً ويساعد عليه الاعتبار، بل لعله أكثر عرفية وانسجاماً مع طبيعة تطور اللغة من بقية المناشئ، ولو بنحو الموجبة الجزئية.

ومنه يظهر التأمل فيما أفاده السيد الأستاذ الأكبر(قدس سره) بقوله:

«نقل شيخنا الأستاذ(قدس سره) عن بعض مؤرخي المتأخرين، أن المنشأ لحصول الاشتراك في اللغات، خلط اللغات بعضها ببعض، فان العرب ـ مثلاً ـ كانوا على طوائف.

فطائفة منهم قد وضعت لفظاً خاصاً لمعنى مخصوص، وطائفة ثانية قد وضعته لمعنى آخر، وطائفة ثالثة قد وضعته لمعنى ثالث... وهكذا.

ولما جمعت اللغات من جميع هذه الطوائف وجعلت لغة واحدة حدث الاشتراك وكذلك الحال، في الترادف فانه قد حصل من جمع اللغات وإلاّ فالمعنى كان يعبر عنه في كل لغة بلفظ واحد.

وعلى الجملة فالمنشأ لوجود الاشتراك وتحققه في اللغة العربية وغيرها هو جمع اللغات وخلط بعضها ببعض، وإلاّ فلا اشتراك ـ في البين ـ أصالة وبالذات.

وفيه: أن ما ذكره هذا القائل ـ وإن كان ممكناً في نفسه ـ إلا ان الجزم به مشكل جداً، ولاسيما بنحو الموجبة الكلية لعدم الشاهد عليه من الخارج، حيث أنه مما لم ينقل في كتب التاريخ ولا غيرها.

ومجرد نقل مؤرخ حسب اجتهاده لا يكون دليلاً عليه بعد عدم نقل غيره إياه، بل ربما يبعد ذلك وقوع الاشتراك في الأعلام الشخصية، فان شخصاً واحداً كالأب ـ مثلاً ـ يضع لفظاً واحداً لأولاده المتعددين لمناسبة ما، كما نجد ذلك في أولاد الحسين(عليه السلام) فانه قد وضع لفظ (علي) لثلاثة منهم على نحو الاشتراك فيه، والتمييز بينهم في مقام التفهيم كان بالأكبر والأوسط والأصغر(عليهم السلام).

وكيف كان، فلا يهمّنا تحقيق ذلك واطالة الكلام فيه بعد أن كان الاشتراك ممكناً في نفسه، بل واقعاً كما في أعلام الأشخاص بل في أعلام الأجناس»[27].

ثم انه علم من المناشئ السابقة، إمكان تقدم وتأخر بعض المعاني في اللفظ المشترك على أو عن الآخر، إذ لا يلزم حصول الاشتراك دفعياً، بل يكفي كونه تدريجياً وهو واضح.

الجهة السادسة: في وقوعه وهو على صعيدين:

وقوع الاشتراك في اللغة- الفهرس

الصعيد الأول: صعيد اللغة عموماً.

فقد أنكر البعض وقوع الاشتراك في اللغة، وفسّر ما يترائى من ذلك في الألفاظ المشتركة بين أكثر من معنى بوجوه:

منها: الوجه الأول: وجود معنى عام أو كلي جامع بين المعاني المتعددة.

ومثّل له بعضهم بلفظ الدليل الموضوع لمن يدل على الطريق.

ثم أطلق على الكتاب الدليل، والبرهان الدليل، وغير ذلك مما يشترك في الدلالة على الشيء ولكن يلاحظ عليه:

أولاً: لما كان الواضع قد وضع كلمة (الدليل) لخصوص الشخص الذي يدل على الطريق، فتعديته إلى غيره بمناسبة الدلالة واطلاقه عليه بهذه العلاقة لا يعني أن الواضع قد وضع اللفظ لمطلق الدال (انساناً كان أم غيره) على مطلق المدلول (طريقاً كان أم غيره) بل هو من قبيل تحميل الوضع أكثر مما يحتمل.

ثانياً: أنه لا يفسّر ظاهرة الاشتراك اللفظي في كلمات ليس لمعانيها من العمومية ما تجمع كل ما ذكر له من معنى، لاسيما المعاني شديدة الاختلاف مثل كلمة (الخال) بمعنى أخ الأم والشامة في الوجه والأَكَمَة الصغيرة.

فما ظنك بالمتضادين كـ(المقوى) بمعنى القوى والضعيف.

ولذا لا ينقضي العجب ممن لا يسلمون بالمشترك إلاّ إذا دلّ على معنيين لا رابط بينهما، حيث زعموا ان التضاد ليس نوعاً من الاشتراك، لأن المتضادين تجمع بينهما صلة من نوع ما، فالجامع بين الكبير والصغير ان كلاً منهما حجم، وبين الأسود والأبيض أن كلاً منهما لون، وهكذا.

ولو لا هذه الصلة لم يكونا ضدين، لأن الضدين، شيئان اشتركا في صفة واختلفا في مقدارها[28].

ويلاحظ عليه: أولاً، كبروياً أن دعوى تقوّم التضاد بالاشتراك في صفة والاختلاف في غيرها، قضية لم نسمع بها في زبر الأولين من الفلاسفة والمنطقيين.

فان للتضاد ثلاث إطلاقات، اثنان منها عرفيان والثالث اصطلاحي، فأولها: التضاد بمعنى عدم اجتماع صورتين على مادة واحدة، كالجسمين (كالماء والنار) في محل واحد.

وثانيها: التضاد العرضي بين شيئين غير متضادين ذاتاً، ولكن طرء عليها ما تزاحم معه اجتماعهما في آن واحد.

وثالثاً: التضاد الاصطلاحي بين عرضين بينهما غاية البعد المانع من اجتماعهما في موضوع واحد. وعليه، فلا تضاد بين الأجناس العالية كـ(الكم والكيف) لمجتمعين في الجسم ولا أنواع كل منها مع أنواع غيره، ولا بعض الأجناس (الاضافية) المندرجة تحت الواحد منها مع بعض آخر (كاللون والطعم)، بل استقر الاستقراء على اختصاص التضاد بين نوعين أخيرين مندرجين تحت جنس قريب كالسواد والبياض المندرجين تحت اللون.

كما لا تضاد بين الجواهر المستغني وجودها عن الموضوع ولا بين غير المتباعدين تماماً كالواحد والكثير.

وتفصيل القول في ذلك كله موكول إلى محله في المطولات.

وحينئذ نقول: إن كان مراد المدعي صلة المتضادين ـ بالمعنى الأعم ـ بصفة ما، الصلة المقولية عموماً (جوهرية كانت أو عرضية) أو أحدهما خصوصاً، كانت جميع المقولات أو الجواهر أو الاعراض اضداداً يصدق عليها الضدّ بالاشتراك المعنوي.

وهذا مذهب فاحش لا يلتزم به عاقل فضلاً عن فاضل.

وكذا إن أراد اشتراكهما في صفة ولو بمستوى النوعين الاخيرين المندرجين تحت جنس قريب وكان اللفظ مشتركاً معنوياً بينهما، دخل تحته كل ما دخل تحت تلك المقولة، وهذا فاسد قطعاً.

على أن المعيار في تحديد الجامع بين المعاني وتشخيص صلاحيته للجامعية بينها، هو النظر العرفي، لا القانون الفلسفي.

وثانياً: ـ صغروياً ـ أن مجرد اشتراك المعنيين في صفة بعيدة ما لا تشفع لوحدتهما في المعنى الموضوع له، مع شدة اختلافهما لدرجة التضاد التي تمنع من تحقق تلك الوحدة. ويكفي الوجدان العرفي شاهداً على ذلك فتأمل جيداً.

مناقشة ما نسب للاستاذ الأكبر(قدس سره)- الفهرس

هذا وقد نسب صاحب الدروس في مسائل علم الأصول للسيد الأستاذ الأكبر(قدس سره) أنه ليس في الألفاظ ما يكون مشتركاً لفظياً، بل اللفظ في الموارد المعروفة بالاشتراك يوضع للجامع بين الأمرين أو أكثر.

فمثلاً لفظ (قرء) موضوع لحالة المرأة الجامعة بين الطهر والحيض.

ولفظ (جون) موضوع للجامع بين السواد والبياض.

وخفاء الجامع أوجب الوهم بأن اللفظ من الأضداد.

ولو لم يكن بينهما جامع لما كان بينهما تقابل فان التقابل لا يحصل من غير جامع.

ولذا لا يكون بين العلم والحجر تقابل، فان أحدهما جوهر والآخر عرض.

هذا بناءاً على عدم تفسير الوضع في الألفاظ بالتعهد، وإلاّ فكون اللفظ موضوعاً للجامع لا يحتاج إلى الاستدلال. انتهى منقولاً عن المحاضرات.

ولكن لم نجد لذلك فيها عيناً ولا أثراً بل مر عليك آنفاً تصريحه(قدس سره)بوقوع الاشتراك في أعلام الأشخاص بل الأجناس وكيف كان، فقد تعقبه صاحب الدروس بقوله:

«غاية ما ذكر عدم التقابل بين أمرين لا جامع بينهما، لا أن اللفظ في موارد التقابل موضوع للجامع مع أن لزوم الجامع في موارد التقابل غير صحيح، فان من التقابل، تقابل الايجاب والسلب والعدم والملكة والتضايف.

ولا يمكن الجامع في جميعها حيث ان التقابل بين الملكة وعدمها، هو تقابل الوجود ولا عدم مع اعتبار القابلية للوجود ـ ولو بحسب الجنس ـ والتضايف اتصاف كل من الأمرين بما يقتضي النسبة بينهما.

بل لا جامع في موارد تقابل التضاد، إلا كون الضدين من مقولة واحدة.

ومن الظاهر أن اللفظ فيهما لم يوضع للمقولة وإلا لصح استعمال اللفظ في غيرهما، مما يدخل في تلك المقولة».

الوجه الثاني: تداعي المعاني المتقاربة في المثول أمام الذهن لاسيما الاضداد وذلك بمناسبة تضادها وانزلاق أحد الضدين إلى الضد الآخر في مقام التعبير عنه، فيصبح اللفظ بذلك من الأضداد.

وشاهده ـ من الناتحية النفسية ـ أن تسمية الشيء باسم ضده، شائع في اللغة، حتى سُمي الأعمى بصيراً والسقيم سليماً والهواء الصحيح عليلاً.

وحكي عن أحد ملوك الأندلس أنه سمّى جاريته (قبيحة) لشدة حسنها.

ولعل من ذلك ما يسمى بلاغياً بـ(المدح بما يشبه الذم والذم في معرض المدح).

وجوابه: أن مثل هذا ـ ولو سلم حصوله حال الوضع لا في خصوص حال الاستعمال ـ فانه أضيق من المدعى حيث لا يفسر لنا المعاني غير المتداعية بوجه والمشتركة في لفظ واحد مثل (الأرض) الموضوع للزكام والكرة الأرضية.

أو الكلمة الفرنسية (Tuer) الموضوعة للحفظ والقتل والتي أصلها من الكلمة اللاتينية (Tutari).

الوجه الثالث: قصر اللفظ على معنى واحد حقيقي واطلاقه مجازاً على المعاني الاخرى.

لكنه إن تم في بعض الألفاظ، فلا يتم فيما يتبادر منه المعنيان قديماً وحديثاً.

مثل كلمة (جلل) في الصغير والكبير. والتبادر علامة الحقيقة.

وفصّل آخرون كابن درستويه الذي أنكر معظم المشتركات اللفظية ذات الصلة بين معانيها كالهلال الحقيقة في هلال السماء المجاز في حديدة الصيد وقلامة الظفر ونصف دويرة النعل المشبهة في شكلها للهلال. وأقر الاشتراك فيما لا صلة بين معانيه المنصوصة كالخال المشترك بين أخ الأم والشامة في الوجه.

ولكن يلاحظ عليه: أن صرف وجود الصلة بين معاني اللفظ المنصوصة لا تلازم عدم الاشتراك بعد النص اللغوي المفيد للوثوق والتبادر العلامة على الحقيقة في المعاني المتعددة.

نعم، علينا أن لا نغترّ بتسامح بعض معاجم اللغة في تعدادها للمعاني الكثيرة للفظ الواحد، أعم من كونه موضوعاً لها بأجمعها أو كونه حقيقة في بعضها مجازاً في الآخر، بل غالباً ما تكون المعاني الأخرى مصاديق بوجه للمعنى الأصلي.

ومن ذلك ما ذكروه لـ(كلمة القضاء) من المعاني العشرة القابلة بأسرها للارجاع إلى أصل واحد. يقول ابن فارس في مادة (قضى): القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه لجهته.

قال الله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ) أي: أحكم خلقهن. ثم قال أبو ذؤيب:

وعليهما مسرودتان قضاهما *****داود أو صَنَع السوابغ تبّع

والقضاء: الحكم. قال الله سبحانه في ذكر من قال: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاض)أي اصنع واحكم.

ولذلك سمي القاضي قاضياً، لأنه يحكم الأحكام وينفذها.

وسميت المنيّة، قضاء لأنه أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق.

قال الحارث ابن حلزة:

وثمانون من تميم بأيديـ *****ـهم رماح صدورهن القضاء

أي: المنية. وكل كلمة في الباب فانها تجري على القياس الذي ذكرناه[29].

مناقشة دعوى اشتراك كلمة (المولى)- الفهرس

وبالمناسبة رأينا أن نسوق الكلام إلى شيء مما حقّقناه في محله من بحث (كلمة المولى) وأنها وضعت لغة لمعنى واحد ومغزى فارد، ثم قيس عليه غيره ـ بتعبير فقه اللغة ـ وأخذ منه خلافاً لمن أدعى أنه مشترك لفظي موضوع لقرابة سبعة وعشرين معنى ذكروها في محلها واستغلّوا ذلك لتمييع وتضييع المقصود من حديث الرسول(صلى الله عليه وآله) يوم الغدير:

«من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

وقد أثبتنا في بحثنا العقائدي دعويين طوليتين:

أولاهما: وأوْلاهما أن كلمة (المولى) لم توضع لغة إلاّ لأصل واحد هو (الأولى بالشيء) وأن ما عداه من المعاني المذكورة مقيس عليه: آيل إليه ـ كما سيأتي توضيحه ـ.

وثانيهما: أنه لو سلّم تعدد معانيها وضعاً فانها لم تستعمل في حديث الغدير إلاّ بمعنى (الأولى بالشيء).

وذلك لقرائن قررت في محلها، تناهز العشرين.

وبما أن الدعوى الثانية مرتبطة بمجال الاستعمال والأولى بمجال الوضع فالأولى أوْلى بحثاً بمقامنا هنا في الاشتراك اللفظي الوضعي.

وتلخيص ما نقحناه هناك فيها، أن يقال:

أولاً: أننا ـ بعد التتبّع الطويل ـ لم نجد شاهداً من كلام العرب قبل الغدير على وضع كلمة (المولى) لغير الأولى بالشيء. وكل ما ذكر من شواهد فهي متأخرة عن تاريخ الغدير. وأما القائل بوضعها لغير الأولى بالشيء فبين متأخر ـ كالثعلبي والبغوي ـ عن أساطين اللغة الأوائل، أو ناظر إلى مقام الاستعمال والتفسير لا الوضع. والاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز. كما إن التفسير معنيٌّ بالمراد لا بالاستناد. ولا يصح التمسك بأصالة الحقيقة عند العلم بالمراد والشك في الاستناد.

نعم، يصحّ التمسك بها لدى العكس (أي عند العلم بالاستناد أو الشك في المراد).

وثانياً: أن القائلين بوضع كلمة (المولى) لـ(الأولى بالشيء) جمعٌ غفير من أساطين اللغة العربية وأعلام الأدب العربي كالزجاج والفرّاء والأخفش وأبي عبيدة والرماني ـ كما في تفسير الرازي ـ وحكاه الزوزني في شرح المعلقات السبعة عن ثعلب وهو مختار الجوهري في صحاح اللغة ومحكي الرازي في مختار الصحاح والقوشجي في شرح التجريد والتفتازاني في شرح المقاصد مستشهداً عليه بحديث: أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها... الخ، والواحدي في الوسيط وابن جرير في تفسيره والبخاري في تفسير قوله تعالى: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلكُمْ) من صحيحة مستشهداً عليه بحديث: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ترك دنياً فأنا مولاه. واستشهد بقول الشاعر: (مولى المخافة خلفها وأمامها).

ثالثاً: ان الحقيقة الجامعة بكل هذه المعاني هو الأولى بالشيء ويطلق على كل منها بعناية. فالرب أولى بخلقه والعم أولى بابن أخيه قائماً مقام أبيه وابن العم أولى بابن عمه من غيره لأنهما غصنا شجرة واحدة.

والابن أولى بطاعة أبيه وابن الأخت أولى بطاعة شقيق أمه والمعتق أولى بالفضل على المعتَق والمعتَق أولى بعرفان جميله، والعبد أولى بالانقياد لمولاه، والمالك أولى بكلاءة مماليكه، والتابع أولى بمناصرة متبوعه ممن لا يتبعه، والمنعم عليه أولى بالشكر، والشريك أولى برعاية حقوق الشركة وصونها عن الضرر، والحليف أولى بحفظ حليفه من العوادي، والصاحب أولى بحفظ حقوق مصحوبه، والجار أولى بحقوق جاره، والنزيل أولى بتقدير مضيفه، والصهر أولى برعاة من صاهره.

وفي الحديث:

«الآباء ثلاثة: من ولّدك ومن علّمك ومن زوّجك».

والقريب أولى بأمر أرحامه، والمنعم أولى بالاحسان وإن يُتبعه باحسان، والعقيد أولى بحفظ طرفه، والمحب والناصر أولى بالدفاع عن طرفه.

وأما معاني: الولي والسيد ومتولي الأمر والمتصرف في الأمر، فالأمر فيها أوضح من أن يُشرح.

فالمعنى الجامع للمولى هو الأولى بشيء ما ـ حسب المقام ـ، فالاشتراك معنوي وليس لفظياً، مستدعياً لأوضاع كثيرة بل هي منفية بالأصل.

وقد أشار لهذه النظرية شمس الدين ابن البطريق (من علماء القرن السادس) في العمدة وبعض العامة كالدرواجكي والسبط الجوزي.

واحتج لذلك بتبادر خصوص الأولى من المولى، وهذا هو الحق الحقيق بالاتباع.

والذي نحسبه أن القائلين بتعدد المعاني والأوضاع في كلمة (المولى) قد خفي عليهم أمر المصاديق الطولية لمعنى (الأولى بالشيء) فجعلوها في عرضه.

أو أن وراء الأكمة ما وراءها، إذ ليس بغريب على السياسة والأهواء أن تستحدث القول بالاشتراك اللفظي في كلمة (المولى) بعد يوم الغدير. وشاهده أن لا شاهد له ـ كما ذكرنا آنفاً ـ من كلام العرب قبل ذلك. وقديماً قيل: (لأمر مّا جدع قصير أنفه). (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيَما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

اللهم اجعلنا من أنصار مولى الغدير(عليه السلام) وانصر من نصره واخذل من خذله وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ورود الاشتراك في القرآن الكريم- الفهرس

الصعيد الثاني: صعيد القرآن الكريم خصوصاً.

قد يتوهم استحالة ورود المشترك في القرآن الحكيم، وذلك لأن الله تعالى إما أن يعتمد في بيان المراد منه على القرائن الدالة على ذلك، فيلزم التطويل بلا طائل، وهو غير لائق بكلام الله تعالى.

وإما أن لا يعتمد على شيء منها في ذلك، فيلزم الاجمال والاهمال المستلزم للغوية الاشتراك أو المنافي لحكمة الوضع التي هو التفهيم والتفهم.

ويورد عليه: أولاً: منع لزوم التطويل بلا طائل، مع الاتكال على القرائن الحالية، لعدم انحصار القرائن بالمقالية.

وثانياً: أن الغرض العقلائي قد يتعلق بالقرائن المقالية زائداً على بيان المراد، فتكون لائقة بكلامه تعالى.

وثالثاً: أسلفنا سابقاً عدم التلازم بين الاجمال واللغوية بحال إذ قد يتعلّق الغرض بالاجمال وعدم اظهار المراد في مجلس التخاطب. نظير بيان العام وعدم ذكل الخاص إلاّ حين العمل.

فيكون اجمال الخطاب غرضاً عقلائياً منسجماً مع حكمة الوضع لا منافياً لها، حتى يلتزم بعدم وقوع الاشتراك في القرآن الكريم.

ثم إنّه قد يستدلّ على وقوع الاشتراك في كتاب الله تعالى بقوله ـ عزّ من قائل ـ: (وَأُخَرُ مُتَشابِهات) بتقريب أن المتشابه هو اللفظ الموضوع لمعان متعددة لاشتباه المعنى المراد حينئذ.

ولكن حققنا في محله ـ من بحثنا التفسيري والآخر في علوم القرآن الكريم ـ أن المتشابه لا يرادف المجمل، كما قد يتخيّل بل هو اللفظ المسوق لبيان بعض حدود المطلب ـ بمقتضى المقام ـ والذي لابدّ لأحكامه من رده إلى ما يحكمه من المحكم المطلق أو الاضافي وهو المتشابه الآخر المُكمِّل لحدود المطلب الأخرى بالجمع بينهما. وأما لو خلّي كل منهما وحاله لأفاد معنى آخر كالجبر أو التفويض مثلاً، بينما لو ردّا إلى المحكم لانبثق مبدأ (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين). وعلى ذلك جميع الايات المتشابهة في المعرفة والعمل والثواب والعقاب وأمثالها مما زلت فيها أقلام وضلّت أفهام.

ومما يشهد لما اخترناه من معنى المتشابه تبادر التشابه بهذا المعنى من هذه الموارد المختلف عليها وأمثالها بلا كلام، وتمام الكلام في محله.

فظهر من ذلك أن للتشابه ميزتين أساسيتين:

الأولى: أنه حالة من حالات العلاقة اللغوية في مرحلة الاستعمال والدلالة التفهيمية لا في مرحلة الوضع والدلالة التصورية، حتى يكون من الاشتراك اللفظي.

الثانية: انه حالة طارئة على المركّبات دون المفردات.

وبالتالي فان المتشابه ليس بمعنى الكلام المجمل المردد بين ارادة عدة معان محتملة كما في بعض الجمل أو المفردات المحتملة لعدة مرادات مردّدة بين المعنى الحقيقي والمعاني المجازية أو مصاديقها. وأما المحكي عن البحار من تفسير النبي(صلى الله عليه وآله) للمتشابه بما يفيد أنه (لفظ له معان) فبعد تسليم صدوره هكذا عنه(صلى الله عليه وآله)فانه ليس منافياً لما اخترناه من معنى المتشابه الذي هو لعدم تمام صورة مطلبه، قابل للحمل على مطالب وافكار أخرى فيصدق عليه أنه (لفظ له معان). فتدبّر جيداً. وكيف كان، فلا شكّ في ورود المشترك اللفظي في القرآن الكريم كما في لفظ (القرء) الموضوع للحيض والطهر و(النجم) المشترك بين الكوكب كما في قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) والنبات غير ذي الساق كما في قوله تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ).

وصلّى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله خيرة الرحمن وسلّم تسليماً كثيراً.

تم ـ بعونه تعالى ـ تقرير هذا البحث الأصولي لسماحة الاستاذ المحقق آية الله الشيخ فاضل المالكي.

والحمد لله أولاً وآخراً.

 

.....................(هوامش).........................

[19]) مباحث الدليل اللفظي 1/112 ـ 113.

[20]) الكفاية 1/53.

[21]) زبدة الأصول 1/114.

[22]) زبدة الأصول 1/114.

[23]) المحاضرات 1/202.

[24]) اللغة: 228.

[25]) محمد الانطاكي في الوجيز في فقه اللغة: 390.

[26]) المزهر 1/237.

[27]) المحاضرات 1/204.

[28]) الوجيز في فقه اللغة للانطاكي: 394.

[29]) معجم مقاييس اللغة 5/99.